بتاريخ ٨ حزيران ١٩٩٧ كَتَبْتُ في صحيفة "الأنوار" هذه المقالة تحت عنوان "خيالات أبعد من قاديشا".
... دُوِّنَ في بعض تواريخ الكنيسة، ولو باختصار، من أنّ تمثيل جسم المصلوب مع آلات آلامه من مسامير وإكليل وشوك لم يعهده التّاريخ الكنسيّ إلّا مع أحد الرّهبان اللّبنانيّين الّذي هام حبّاً بالمسيح، فمثّله مصلوباً على خشب الأرز. لقد كان أحد هؤلاء الرّهبان المتنسّكين في محابس الوادي المقدّس في قاديشا يقضي ساعاته الطّوال متأمّلاً آلام الفادي. وفي أحد الأيّام خطر له أن يقتطع غصناً كبيراً من أرز الرّبّ، أحضره إلى محبسته وعالجه مستخرجاً منه لوحتين سمّرهما على شكل صليب ووضعه في صدر المحبسة، لقد كان في صلاته يستغرق كثيراً أمام هذا الصّليب ويحدّق به فتحمله الخيالات إلى الجلجلة وتدور أحداث الصّلب أمامه وكأنّها حيّةً وكأنّه يرى المسيح بلحمه ودمه. وأقبل على الخشبة الضّخمة قطعاً وفرزاً وتدويراً ونحتاً وصقلاً حتّى أتمّ العمل، فبدا رائعاً!
لقد نحت على هذه الخشبة جسد المسيح المصلوب مع المسامير المغروسة في اليدين والرّجلين والدّماء وأكليل الشّوك. بعدها خرج من عزلته وسعى في الحصول على قطعة من الحرير الخالص غلّف بها الصّليب وحمله إلى أقرب مرفأ!
وها هو الرّاهب اللّبنانيّ في طريقه إلى البلاط البابويّ في " أفينيون" ليهدي إلى رئيس الكنيسة أعظم هديّة!
لكنّ الرّياح جرت عل عكس ما اشتهت السّفن، إذ كان على كرسي بطرس حبر متعنّت متحجّر ما إن وقع بصره على خشبة الرّاهب حتّى أشاح البصر مستنكراً هذه الجرأة في تمثيل المصلوب، فأمر بفكّ الخشبتين وبنفي الرّاهب بعد أن استطلع الكرادلة في حكمه فوافق الجميع إلّا واحداً ظلّ صامتاً. وبعد هذا الحادث ببضعة أشهر، يشاء الرّوح القدس أن يستدعي الحبر الأعظم إلى جواره، ويرتفع الدّخان الأبيض معلناً انتخاب حبر جديد: الكاردينال الصّامت. وكان أوّل عمل قام به استقدام الرّاهب اللّبنانيّ من منفاه وإعادة الخشبتين صليباً واحداً رُفِعَ أمام المؤمنين.
وهكذا ارتفع في العالم بأسره تمثال المسيح المصلوب، بدلاً من الخشبة العارية، والفضل لراهب لبنانيّ هائم بالصّليب. ولقد جسّد هذه القصّة الشّاعر اللّبنانيّ شارل قرم في كتابه " الجبل الملهم" بهذه الأبيات:
Ah! Dis- nous Sainte Croix
Que ton signe sévère c'est notre foi
Jadis, et c'est notre piété
Sans cesse agenouillés au pied de ton calvaire qui l'avaient inventé!
Qu'en dépit d'Avignon dont l'aveugle colère brisa le premier bois qui te représente,
Ton signe de nos mains dominera la terre jusqu'à l'éternité!
هوامش
-"أفينيون" مدينة فرنسيّة كانت مقرّاً للباباوات من عام ١٣٠٩ حتّى ١٣٧٧
-لقد عرف العالم المسيحيّ صلباناً عليها رمز المصلوب منذ القرن السّادس، إنّما الممثّل فيها كان إمّا حملاً يرمز إلى التّضحية أو رأساً للمسيح، ولكن ليس جسم المسيح في حالة الصّلب. ولا تزال بعض الدّيانات والطّوائف حتّى يومنا هذا لا تنظر بعين الرّضى وتشجب شجباً قاطعاً تصوير وتمثيل وتشخيص الأنبياء والقدّيسين.
- قصّة الرّاهب اللّبنانيّ نقلها " لبنانيّ عتيق" في كتابه " ١٤ أيلول" الصّادر عن منشورات الدّائرة بيروت عام ١٩٧٩