فَلْنَعُدْ صغاراً
الصّوم، سبت
لعازار، الشّعانين، خميس الأسرار، سبت النّور، الفصح، اثنين الباعوث... أيّام
مباركة تؤوب إلينا كلّ عام، حاملةً في طيّاتها صوراً تأتيك من زمن بعيد، فتهزّك
وتوقف الزّمن لفترةٍ، لتعود معها طفلاً دنياك مدى القرية الواسع.
الدّنيا
"صوم"، ولقمة الظهر لها طعم مختلف، وفي عرف الجدّة الأكل "قاطع، لا
لحوم ولا بياض". فما رأيك بصحن "مجدّرة" مع بصلٍ أخضر وفجلٍ
ونعناع، تتحلّى بعدها بلقمة "تين مطبوخ"؟ أم تفضّل صحن "بطاطا
مسلوقة" مع "جاط فتّوش" وتنهي طعامك بملعقة "دبس خرّوب"؟
كُلْ واشبع، وإيّاك أن تقوم من دون أن تشكر: "والله يخلّي اللّي مِن تَعَبُه"!
وتمرّ أيّام
الصّوم، ويأتي "سبت لعازار". ها أنت مع رفاق الحيّ تدور في طرقات
القرية، تدخلون البيوت مردّدين على مسامع النّاس ما كُتِب على قطعة خامٍ مستطيلةٍ،
مزيّنة بصورٍ لجميع القدّيسين، وطرفاها مثبتان بصمغٍ على قطعتَي خشبٍ متينتين،
تُفتح من الجهتين كما المخطوطات القديمة.
وتروح
ترنّم:
"قوموا تَ نسلّم على العازار
المعروف المسكينا
ونمدحه بأصوات وتلحينا"
فيردّ عليك الرّفيق من الجهة
المقابلة:
"واهدوا لقبر عازار بخورين
مرتفعا
واسرج قناديل من زيت زيتونا"
وتكملان
التّرنيم، فيما لعازر بثوبه
الأبيض، ومريم ومرتا المتّشحتان بالسّواد، يتنازعون سلّة القصب المليئة بالبيض
الّذي يقدّمه أهل الخير، أو يعدّون القروش القليلة الّتي جاد بها من كان ميسوراً
ثمّ تختمون:
"راح
الصّيام وإجا حدّ الشّعانيني
أوراق
الخوخ والتّفاح والتّيني"
وتخرجون فرحين،
على أمل اللّقاء في أحد الشّعانين.
وللشّعانين
"رهجة" خاصة، يتباهى الأولاد فيه بالجديد من الثّياب والأحذية، حاملين
الشّموع المزيّنة بأغصان الزّيتون، وتاركين للمصوّر "الأرمنيّ" مهمّة
حبس هذه اللّحظات السّريعة في إطار وعلى ورقة. لقد كان يجيد بسحر ساحر مهمّته، إذ
يدخل رأسه تحت قطعة قماشٍ أسود، ويضغط على زرٍ متدلّ من خيط طويل، فَيَشعّ من
الصّندوق الخشبيّ ضوء كومض البرق يبهر العينين،
يعود بعدها ملوّحاً بصورة ما زلتَ تحتفظ بها في "ألبوم"
الذّكريات.
وتتوالى أيّام
أسبوع القيامة !
بالنّسبة إلى
أطفال القرية، كلّ الكنائس كنائسهم: خميس الأسرار وقدّاس" الغسل" هنا،
ثمّ قراءة اثني عشر إنجيلاً هناك. وفي اليوم التّالي، في الجمعة العظيمة، تسرح مع
الرفاق منذ الصّباح بين الغياض والجلول، لتقطفوا أزهار البيلسان وشقائق النّعمان
والبنفسج، تضُمّونها باقات باقات حتّى تضعوها بخشوع على نعش السّيّد المسيح متأثّرين
بترانيم "أنا الأمّ
الحزينة وما من يعزّيها" و"اليوم علّق على خشبة". أمّا سبت النّور
فالصّيام حتّى يفيض النّور! بعدها تهيّئ ضيافة العيد، وعلى رأسها الكعك
بالحليب، حلوى العيد التّقليديّة، إذ يشارك الكبار
والصّغار في عجقة تحضيره، عجناً وقطعاً ورصفاً وخبزاً، في عرس لحواس اللّمس والشّم
والذَّوق.
ويأتي العيد
الكبير، عيد الفصح، ليتوّج أسابيع الصّوم الطّويلة بالفرح والمجد، فتستيقظ مع خيوط
الفجر الأولى على قرع الأجراس، وتسرع إلى "الهجمة" لتقف مع المؤمنين
خارج أبواب الكنيسة الموصدة صارخين : "افتحوا الأبواب ليدخل ملك المجد".
وبعد القدّاس، تعود لتبادل التّهنئة بالعيد مع الأهل، ثمّ تخرج على عجل للقاء
الرّفاق حتّى "تتفاقص" معهم بالبيض المسلوق المصبوغ بورق البصل الأحمر
أو باليانسون، وويل للخاسر ينصرف جاراً أذيال الخيبة، ومرحى بالرّابح يمشي مختالاً
على وقع تكهّنات الرّفاق حول إمكانيّة غشّه واستعماله بيضة من شمع أو خشب.
ويبقى "اثنين
الباعوث"! بعد القدّاس والزّيّاح، قراءة الإنجيل بلغات مختلفة، بالعربيّة، بالفرنسيّة وبالإنكليزيّة، ولكنّ "الشّاطر"
من يقرأ الإنجيل باليونانيّة والإيطاليّة والألمانيّة...
صورٌ وصورٌ تتسارع أمامك، لكلّ منها رمزيّتها ومعانيها، تقف عندها اليوم،
وتسأل نفسك: أين المسيح في كلّ هذا؟
وتردّ بشكل قاطع:
المسيح هو كلّ هذا!
هو هذه الفرحة البريئة!
هذا الانطلاق العفويّ!
هو هذه البهجة العامرة!
اليوم، كباراً، أصبحنا "نُفَلسِفُه"!
فَلْنَعُد صغاراً، حتّى يحقّ لنا
أن ندخل ملكوته.
الأنوار -الصّفحة الثّقافيّة-
الأحد ٢٣ نيسان ٢٠٠٠
مقتطفات من كتاب في الخامسة والخمسين
No comments:
Post a Comment