Translate

Sunday, May 25, 2014

" وقام في اليوم الثّالث" انطباعات وأصداء

نُشِرَتْ لي هذه المقالة في الصّفحة الثّقافيّة لجريدة الأنوار بتاريخ ٣٠ آب عام ٢٠٠٠، أعيد نشرها اليوم على صفحتي الإلكترونيّة، تحيّةً منّي لشوارع القدس العتيقة!

" وقام في اليوم الثّالث"
   انطباعات وأصداء

كيف يمكن لخشبة مسرح أن تحضن بين جنباتها تصغيراً لمدينة كأورشليم القدس بهياكلها ومعابدها، أحيائها وساحاتها كما بساتين زيتونها ودرب جلجلتها؟ 
كيف يمكن لساعتين من الزّمن أن يختصرا حياة إله وإنسان طبع ببصماته الزّمان والمكان، وعُلّق على خشبة في عهد بيلاطس البنطيّ؟
ألف كيف وكيف ضجّت في الأعماق مع بطاقة الدّعوة لحضور مسرحيّة " وقام في اليوم الثّالث". إلّا أنّ فكرة مشاهدة السّيّد المسيح على المسرح، في عمل للرّحابنة الشّباب ونصّ لمنصور الرّحبانّيّ، وضعت حدّاً لسيل علامات الاستفهام الكثيرة، لأنّ الذّات تعشق كلّ ما يحمل رائحة الرّحابنة، فكيف إذا كان المسيح هو المحور؟!

وتلبّي الدّعوة بفرح المؤمن ولهفة المشتاق إلى عصر الرّحابنة الذّهبيّ، وتنسجم مع أجواء العرض، وتخرج راضياً، فانطباعك الأوّل إيجابيّ: النّصّ أمين للأصل، والجوهر الدّينيّ صحيح، والنَّفَس الرّحبانيّ عطر ينعش المشاعر بطيب نغماته. ولعلّ تعليقات المشاهدين بعد نهاية العرض يمكنها أن تختصر أجواء المسرحيّة، إذ تستوقفك وأنت تغادر الصّالة الكبيرة، كما ترافقك وأنت تنزل الأدراج فتلتقطها أذناك عفواً وتعبر من دون استئذان إلى الأعماق لأنّها عفويّة نابعة من القلب، فقد قالها من قال ومشى، تاركاً مهمّة النّقد المسرحيّ وأصوله لأربابها، إلّا أنّها تعبّر من دون أدنى شكّ عن جوّ عام لركن مهمّ من أركان المسرح ألا وهو الجمهور.
العبارتان الرّئيسيّتان اللّتان تسمعهما أوّل ما تسمع:
-" شو؟ كيف لقيت المسرحيّة؟
- بتجنّن ! كتير حلوة!"
ثمّ يأتيك المزيد:
-" مشهد الصّلب رائع! غسّان صليبا بعد هالدّور لازم يوقّف تمثيل، لأنّو مثّل قمّة الأدوار"
-" غسّان الرّحبانيّ بدور يهوذا كان كتير موفّق، الدّور كان لابسو لبس! صحيح إنّو سلّم المسيح، بس كنّا متعاطفين معو. حسّينا إنّو مظلوم أكتر ما إنّو ظالم"
- كارول سماحة بدور المجدليّة ممتازة بسّ صار لازم نشوفها على المسرح بغير دور المرأة السّاقطة، لانّو لعبت تقريباً بآخر إيّام سقراط نفس ملامح الشّخصيّة"
وفي إحدى الزّوايا راهبتان تتكلّمان بجدّيّة:
- دور مريم العدرا ما بعرف كيف حسّيتو كان ممكن يكون أقوى"
- مش بسّ هيك، فعليّاً العدرا ما سقطت قدّام الصّليب متل ما شفنا بالمسرحيّة، ضلّت واقفة على الرّغم من فجيعتها."
وليس ببعيد شابان يضحكان:
- " بالإنجيل بيقولو إنّو المسيح دخل ع أورشليم قبل الفصح على جحش ابن أتان، كنت متوقّع شوف شي حمار ع المسرح"
- " مش ممكن!"
- " ليش؟ ! ما عادل إمام دخّل سيّارة ع الخشبة!"
- السّيّارة ما بدّا أكل ولا بدّا ... وفهمك كفاية..."
وفجأة يشدّك صوت فتى: 
-" بابا بابا أنا ما فهمت سبب ضرب يسوع ٣٩ جلدة ع القدّ أمام بيلاطس"
- " ما بعرف! بسّ اللّي بعرفو إنّو الضّرب ع الأرض ضعّف المشهد"
-" شو بدّك يا بابا كلّ اليوم الممثّل ياكل قتلة"
وتضيع في خضمّ التّعليقات تأتيك من كلّ حدب وصوب:
-" الدّيكور والإخراج مميّزين، كمان التّياب، خصوصي صنادل الشّباب كتير ع الموضة"
- " مشاهد الرّقص اللّي رافقت خيانة يهوذا وندامتو كانو كتير معبّرين"
- " في شفافيّة غريبة بالموسيقى! حبّيت أغنية طالعين ع أورشليم ع أورشليم طالعين! اللّه يطعمنا ونزور القدس"!

وعلى أمل الحجّ إلى القدس يوماً، تعود إلى دارك والرّأس يضجّ بما رأيت وسمعت. ولاشعوريّاً تأخذ الكتاب المقدّس، هنا الأساس، تتصفّحه وتغوص فيه، وترجع في الزّمن والتّواريخ إلى شوارع القدس العتيقة، ترسم للمسيح ملامح من نسج خيالك تلوّنها بألف لون ولون، وتعطّر عباءته بألف طيب وطيب، تؤلّف مسرحيّتك الخاصة وتصوّر في حناياك فيلماً طويلاً عنه. قد لا تكون ببراعة "زيفرللّي"في الإخراج، ولا تتمتّع بإبداع الرّحابنة في العرض، ولكنّك حرّ في رسم صورة المسيح كما تشاء، فهو لم يقيَّد ولم يقيِّد في يوم من الأيّام.وفي كلّ هذا الخضمّ يبقى الأهمّ تبقى الرّسالة، فأين نحن منها؟ ولعلّ مشهد المحاكمة التّاريخيّة في مسرحيّة الرّحابنة هي من نقاط القوّة الرّئيسيّة فيها لأنّها بالفعل دعوة لمحاكمة ذواتنا اليوم ولمعرفة مواقعنا من المسيح ومن تعاليمه بعد ألفي سنة على مجيء من غيّر بولادته وموته وقيامته وجه الكون!!!

No comments:

Post a Comment