(مختارات من كتاب "الأنثى في المثل" بمناسبة يوم المرأة العالميّ)
تؤرّق حياة الأنثى مجموعة من المشاكل، لعلّ
أقساها مشكلة العنف الجسديّ الّذي يحيل حياتها جحيماً ويصيبها في صميم كرامتها
وعنفوانها.
وضرب
النّساء قضيّة لا تعاني منها المجتمعات الشّرقيّة فقط، بل نجدها منتشرة، ولو بنسب
أدنى، حتّى في المجتمعات الغربيّة. أمّا الفارق فهو أن المجتمعات الأخيرة أوجدت
آليّات قانونيّة فعّالة للحدّ منها عبر الشّكاوى في مراكز الشّرطة والمحاكم،
واتّخذت إجراءات عمليّة لحماية الحلقة الأضعف عبر المعالجة النّفسيّة والتّوعية
الإجتماعيّة. وهذه القوانين وإجراءات المشورة النّفسيّة والنّفسيّة-الإجتماعيّة قد
تكون مؤمّنة في بعض مجتمعاتنا الشّرقيّة، إلاّ أنّ المرأة في عالمنا لا تعتمدها خوفاً من "الجرصة"
وانطلاقاً من المقولة :
- "بين الرّجّال والمرا، ما لازم يتدخّل إلاّ
الرّجّال والمرا".
لا بل، هناك ما هو أدهى، إذ تعتبر بعض
الشّرقيّات أنّ ضرب الرّجل لهنّ أمر مشروع ، وعليهنّ أن يقبلن به وكأنّه جزء لا يتجزّأ من سلّة مكوّنات الحياة
الزّوجيّة، لذا عليهنّ أن يتحلّين بفضيلة الخضوع لأزواجهنّ لأنّهم "الأسياد"
و"تيجان الرّأس"، خصوصاً أنّ أمر الضّرب ليس جديداً على اكثرهنّ، إذ
يكنّ قد عانين ما عانين في "بيوت أهلهن"،
وخبرن نماذج عن هذا العنف الذّكوريّ من آبائهنّ وإخوتهنّ. وهكذا يصبح العنف
الجسديّ أحد "أكسسوارات" سلطة الرّجل القيّم على الأنثى وهدفه تأديبها
إن أخطأت عمداً أو سهواً، وفي بعض الأحيان استباقاً وسلفاً، عقاباً على خطأ
سترتكبه حتماً :
- "اضرب دايماً مرتَك ، ان ما عرفْتْ إنت َالسّبب هيّي بتعرف".
- "المرا متل السّجادة ، ما بتنضف إلاّ
بالخبيط".
- "المرا
متل قطعة الّلحم كلّ ما ضربتها كلّ ما طابت".
أضرب ولا
تخف، فلن يصيب المرأة أيّ سوء:
- "المرا بسبع ارواح متل
البسينات".
ويحاول الكثير من الإناث الّلواتي يتعرّضن
للضّرب أن يجدن التّبريرات لتصرّف الرّجال العدائيّ حيالهنّ، ويضعن الملامة على
ذواتهنّ، معتبرات أنّهنّ السّبب أوّلاً وأخيراً، فيما يتعرّضن لهنّ من مهانة وذلّ.
هكذا، تضيع عندهنّ بوصلة تقييم ذواتهنّ، وتخبو في أعماقهنّ شرارة تقويم قدراتهنّ،
وينسين أنّ العنف الممارس عليهنّ هو سلوك غير سويّ، قد يصبح عادةً ونهجاً إن لم
يعالج من جذوره:
-" إبنِك على ما ربّيتيه، وزوجك على
ما عوّدتيه".
وقد يكون الضّرب الجسديّ في بعض الأحيان،
على قساوته، أخفّ وطأة على الأنثى من التعنيف الكلاميّ. يستكثرون عليها لمسة حنان
دافئة وكلمة حبّ طيّبة يمدّانها "بفيتاميناتها" العاطفيّة، فلا تقابَل
إلاّ بعقدة الحاجبين وبكيل من الشّتائم والإهانات تحطّم كبرياءها. كيف لا! والرّجل
يعتبر القسوة من الضّروريّات، والإفصاح عن المشاعر والحبّ دليل ضعف "يطمّع"
الأنثى، "وما بتعود تتهدّى":
- "غنّج حيّة ، ولا بعمرك تغنّج بنيّة".
- "المرا كلّ ما بهدلتها حبّتك، وكلّ ما دلّلتها
سبّتك".
ويتندّر البعض بصفة القساوة الّتي تميّز شبّان
إحدى المناطق، وينقلون عنهم صياغة "رومانسيّة" لطلب يد العروس:
- "بتحبّي تنِْقِبْري بمدافنّا" ؟
كما تسمع عن رجل يتباهى بأنّه لم يبح بكلمة
حبّ واحدة لزوجته طوال حياته، وعن آخر يفاخر بأنّه لم يناد يوماً رفيقة عمره
باسمها، وكأنّ مناداتها بالإسم شرف لا تستحقّه، حتّى أنّه يتحاشى ذكر امرأته حين
يتحدّث عن أسرته ويكتفي بالإشارة إليها ببعض الكنايات "أهل البيت"،"بنت
العمّ" "العيال"، "الحرمة"، وفي أفضل الأحوال "إمّ
فلان"، أو يشير إليها بضمير الغائب "طلبت منها"، وقد يكره أن تسأله
عنها إن لم تكن من أهله أو المقرّبين حيث ترتفع الكلفة.
ولو أرادت النّسوة سرد لائحة "عدم
التغنيج"، لطال الحديث. وعلى رأيهنّ :
- "خليّها بالقلب تجرح ولا تطلع لبرّا وتفضح".

No comments:
Post a Comment